فى اللحظة التى سيتخلى فيها الناس – طوعا – عن أقنعتهم ، ويدققون فى تفاصيل بعضهم البعض التى كانت غير منظورة لهم ، سيدركون وقتها حجم غفلتهم وغبائهم عندما أضرموا نيران الصراعات العنيفة بينهم وبين إخوانهم من البشر لأجل خلافات طبيعية فى ثقافاتهم أو أساليب حياتهم أو سبل تفكيرهم ، منحوها أكثر مما تستحق ! .
فكلنا بشر ، متساوون تماما فى طبيعتنا البشرية ، ونحن – على إختلاف ميولنا ومشاربنا – ننتمى إلى أصل واحد ، فقد خرج أجدادنا الأوائل من رحم إمرأة عاشت وماتت فى عصر ولى وإنقضى ، وكانت هى الكائن البشرى الأول المتطور عن أسلاف له غير بشر ، وإن كان هناك ثمة إختلافات بيننا فى لغاتنا أو معتقداتنا أو إنتماءاتنا الجغرافية أو أصولنا القبلية أو إتجاهاتنا السياسية فهى لا تصنع سوى هوياتنا الذاتية التى تختلف من شخص لآخر ولا تتعارض – فى كافة الأحوال – مع الهوية التى تضم الجماعة البشرية تحت مظلة الإنسانية .
فالأصل أن نكون مختلفين ، والصُدَفُ – وحدها – هى التى قد تخلق فى الظروف الطبيعية تشابها أو إتفاقا بين كائنين بشريين فى صفات ما ، ولكن من المستحيل أن توجد هذه الصدف فى الظروف العادية تطابقا تاما – بنسبة مائة بالمائة – بين فردين ممن ينتمون إلى الجنس البشرى .
وفى ذات الإطار ، فإن إدعاء توافق وجهات نظر أفراد جماعة بشرية ما حول شأن معين ، أمر يدخل فى دائرة الشذوذ المقصود والمجافاة العمدية للطبيعة ، لأن حدوث ذالك منوط بفرض هذا التوجه قسرا على هذه الجماعة من قبل أصحاب المصلحة فى ذالك وهم غالبا ذوى السلطة والمال والنفوذ فى هذا المجتمع ، وهم يهدفون عن طريق ذالك إلى فرض سيطرتهم على الجماعة البشرية وقطعنتها لتسير بأمر الحاكم فى الطريق الذى يدفعها فيه ، وفى هذا ما فيه من طمس لهوية الإنسان – الحقيقية – الفردية التى يكتسبها من خلال تفاعله إيجابا أو سلبا مع البيئة المحيطة به من خلال قبوله أو رفضه لبعض القيم والمفاهيم ، وإيمانه أو كفره ببعض الأفكار والمعتقدات ، وإتيانه أو إجتنابه لبعض العادات والسلوكيات .
ولا تخلو عمليات القطعنة تلك من محولات تبرير منطقى من قبل من يفرضونها ، فنجدهم يزعمون أن هذا هو التوجه الحقيقي لمجموع الأفراد متذرعين أن غالبيتهم العظمى تدين بدين ما ، أو أنهم يتفاهمون بلغة ما ، أو أنهم يعيشون داخل إطار جغرافى ما ، أو غير ذالك من الحجج والذرائع الواهية التى تساق بهدف إلغاء الفرد لصالح التنظيم الإجتماعى وتبرير القطعنة لتحقيق مصالح فئة لها مصلحة فى ذالك ، فبدلا من أن تصبح لكل إنسان هويته الفردية الخاصة يتحول الجميع إلى قطيع يدين بدين ما ، أو قطيع ينطق لسانه بلغة ما ، أو قطيع تتحدد هويته بوجوده داخل إطار جغرافى ما ، أو قطيع تتجمع فيه كل الصفات السالفة الذكر ! .
* * * * *
الدين كهوية :-
ــــــــــــــــــــــــــــ
إيمان الفرد علاقة خاصة بينه وبين إلهه ( إن كان يؤمن بإله ) ، ولذا فإنه يندرج تحت بند الهوية الفردية للإنسان ، مما يعنى أنه لا يمثل هوية تضم تحت لوائها العديد من الأفراد ، وإن كان البعض يرى أن الدين يمثل هوية لمجموعة الأفراد الذين يعتنقونه ، فإنه يُرَدُ عليهِ بأن فهم المؤمنين لتعاليم دينهم تختلف بصورة كبيرة بين أتباع الديانة الواحدة ، بل لا أكون مبالغا إن قلت أن ذالك يختلف من فرد لآخر ، وأنه إذا أخذنا فهم كل فرد لدينه – تفصيليا – بعين الإعتبار سينتج لنا عن ذالك كمَّاً هائلا من المذاهب المختلفة التى يدعى أصحابها أنها تنضوى تحت لواء دين واحد ، بل لا أكون مغاليا إن زعمت أن هذه المذاهب الدينية سيقدر عددها بإجمالى عدد المؤمنين بهذا الدين .
فقلما تجد إنسانا يفهم دينه – تفصيليا – كما يفهمه زميله فى العمل أو زوجه فى المنزل ، بل حتما ستجد إختلافات قد تصل إلى مرتبة أن تصبح جوهرية ، وقد تصل إلى الإختلاف حول أصل الدين وطبيعة الإله الذى يؤمن به أتباعه .
الأمر الذى يدل بوضوح على أن الهوية الدينية – إن وجدت – تختلف من فرد لآخر ، بل ربما يختلف فهم الفرد لدينه من لحظة لأخرى ، وعلى هذا فإن الدين لا يعد هوية ينضوى الناس – طوعا – تحت لوائها ، فهو بهذا المفهوم ليس سوى علاقة خاصة جدا بين الإنسان والكائن الغيبى الذى يؤمن به كإله على حسب فهمه لطبيعة هذا الإله وقدراته ، وعلى درجة إيمانه به وفهمه لتعاليم الدين الذى يدفعه إلى ذالك .
* * * * *
اللغة كهوية :-
ــــــــــــــــــــــــــ
أوجدت اللغة حاجة الإنسان الماسة للتفاهم والتفاعل مع من حوله ، فاللغة ليست سوى وسيلة لفهم الآخر والتعامل معه ، ولا يعد إختلاف اللغات التى تتحدثها الشعوب المختلفة ذا دلالة على أن اللغة هى إحدى الهويات التى ينتمى إليها مجموعة من البشر ينطق لسانهم بها بقدر ما يعنى أن ظروفهم وحدها هى التى جعلت من هذه اللغة وسيلة لتفاهمهم ، فالطفل يولد مجردا تماما من كافة مهارات التفاهم والتفاعل مع من حوله ، ثم يبدأ فى إكتساب هذه المهارات من محيط أسرته التى ينشأ كفرد من أفرادها ، وعندها يصبح ناطقا بلسانهم ، وإن نشأ نفس الطفل لدى أسرة أخرى تتحدث لغة أخرى فإنه بالضرورة سيصبح ناطقا بلغتها .
وفى عصرنا الحالى ، ومع تداخل المفردات والتعبيرات اللغوية بعضها ببعض ، وبعد أن أصبحت الإنجليزية فى حكم اللغة السائدة ، وأضحت عمليات الترجمة بين اللغات المختلفة أمرا بالغ اليسر بفضل وسائل التكنولوجيا الحديثة ، بدا جليا أن اللغة ماهى سوى وسيلة للتفاهم بين البشر ولا تمثل هوية لمجموعة أفراد ينطق لسانهم بها .
ومن أكثر الشواهد توضيحا لطرحى هذا لغة الإشارة وتعبيرات الوجه التى يتفاهم بواسطتها الصم والبكم فى شتى أرجاء العالم بأسلوب واحد دون وجود لهجات مختلفة لها كما هو الحال مع اللغات اللسانية ، فنجد الأصم الذى ولد ونشأ فى مصر يتفاهم بكل يسر وسلاسة مع نظيره الذى يقطن جزر الملايو ، فى الوقت الذى يصعب فيه على المصرى الصحيح التفاهم مع أهل هذه البلاد بلغتهم ، وهو أمر ذو دلالة جلية على أن وسيلة التفاهم تدخل تحت إطار هوية الإنسان الفردية ، لأنها تتبع ظروفه الخاصة التى يدخل ضمن إطارها المجتمع الذى نشأ فيه ومدى إستجابته للمؤثرات من حوله ومدى قدرته على التفاعل مع من يعيشون معه .
* * * * *
الهوية الجغرافية – الوطن كهوية :-
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لم تتوقف حركة الهجرة على مر التاريخ ، وإن كان إكتشاف الإنسان للزراعة وملكيته للأراضى قد ساعدا على إستقراره فى مكان ما إستوطنه وعاش فيه ، إلا أن ذالك لا يعنى توقف حركة الهجرة ، فالبحث الدؤوب عن المكان الملائم لسكنى الإنسان والبعيد عن كل ما يهدد حياته أو يعكر صفوها قد دفعه إلى الهجرة من مكان إلى آخر طلبا لظروف معيشية أفضل وهربا من بطش الحكام وبغيهم وإضطهادهم لكل من يختلف معهم أو يبرز بمواقف معارضة لهم .
وكما أن حركة التاريخ لم تتوقف يوما ما ، فإن التغيرات المناخية وحركة الظواهر الطبيعية لم تتوقف هى الأخرى ، ولقد كان لهذه الأخيرة دورا حاسما فى دفع الناس إلى الهجرة بحثا عن مكان آخر ملائم للعيش بعد أن تطاردهم الأخطار الطبيعية الناتجة عن الزلازل والبراكين وغيرها من ظواهر الطبيعة التى تهدد الحياة فى المناطق التى تحدث فيها .
كما لا يفوتنى هنا أن أذكر أن الحدود السياسية التى ظهرت خلال القرنين الماضيين لتمنع مواطنى أى دولة من المغادرة إلى دولة أخرى دون تصريح مسبق هى من صنع الساسة ، مما يعنى أن وطنية الإنسان مفروضة عليه من الحكام المسيطرين على المنطقة التى ولد بين أسلاك حدودها الشائكة .
وعلى هذا فإن الهوية الجغرافية هى الأخرى تندرج تحت مفهوم الهوية الفردية ، حيث أن الإنسان يجاهد فى سبيل العثور على مكان ملائم لحياته ، حتى وإن فشل فى الوصول اليه ، فإن إختياره – فى حد ذاته – يعد تأكيدا لرفضه الحياة فى المكان المفروض عليه ، الأمر الذى يؤكد المعنى السابق ، ويترتب على ذالك أن تصبح الوطنية هى الأخرى مفهوما زائفا للهوية يزول تماما بزوال عوامل الجذب نحو المكان الذى يتمتع الإنسان بمواطنته .
يوليو 13, 2006 عند 4:34 ص
اتفق معك ياكريم فيما اشرت الية من ان الهوية الحقيقية يكتسبها الاننسان من خلال تفاعلة مع بيئتة بعقلية ديموقراطية ليست اوتقراطيةولكنها فى رايى تتشكل فى احيان كثيرة بطابع التنظيم الاجتماعى على شكل حزب او جمعيةاو مدرسة فكرية مثلا، تمس بافكارها قضايا تهم مجموعة من البشرفى بناء توافقى ليس قسري فلا يكون السير هنا وفق ما اسميتة بالقطعنةولا تاتى دائماتعبيرا عن ارادة حاكم
واجد ان الجدل الاساسى فى مدي قدرة المظلة البشرية على تحقيق العدالة للمختلفين تحتها لتجنب الحروب الايدلوجية التى خلفت ملايين الضحايا او اشكال الهيمنة والتى تعضد فى الواقع الاختلاف والعودة لخطوط وهمية لرسم هوية دفاعية
يوليو 13, 2006 عند 10:38 ص
كريم
لقد تفوقت على نفسك
يوليو 13, 2006 عند 10:44 ص
كريم
في كل مرة أقرؤك فيها ، أهتدي معك من جديد ، وإلى حيث نبعك المتجدد ، فتبدو فيه إنساناً رائعاً ليس فقط كفدائي من أجل نيل حريتك بل من أجل أن تمارسها وتعيشها في كل تفاصيلك ، وكيف انك بقدر ما تعطي عقلك هذه المساحة الرائعة ليقدم هذا ، تتمنى في نفس
الوقت على الآخرين ذلك
كريم
آمل ان تظل لك كل هذه القدرة ليس من أجلك فقط بل من أجل الإنسان وحقه الأول في ان يحيا الحياة .
يوليو 13, 2006 عند 12:50 م
لا ارى في الدين هوية، بقدر ما هو محدد للهوية.. بل الهوية الدينية نفسها قد تخضع للهوية الثقافية في تفسير النصوص الدينية … أما الدين فقد يكون كائن منفصل بذاته، أعلى من ان يكون هوية .
قد تكون الهوية اختيار.. لكن قد يخضع فيها الفرد لقانون المجموع، وإلا فهو ينشيء نواة لمجموع جديد داخل المجموع الأصلي، مجتمع داخل مجتمع، أو دولة داخل دولة .. وقانون المجموع هو ما يجعله يتواءم مع الهوية السائدة او أن يتبنى أخرى .
يوليو 15, 2006 عند 5:12 ص
نعم انا اتفق معي يا صديقي العزيز ان الثلاث محاور التي ذكرتها لا تمثل اساسا حقيقيا و اقعيا لارغام جموع من البشر على القبول ببعض الاشياء الفوقية المصدر على انها مسلمات و منطقيات اساسها الانتماء و لكن
ماذا عن الحضارة
ترى ما هو مصدر الحضارة هل هو البشر ام الارض ام ربما الدين
و ايهم يحق له الفخر حقا بحضارته
البشر ام الارض لو تكلمت
نعم البشر متساوون لكن هناك منهم المبدعون و تلكم المبدعون يحتاجون للارض المناسبة لظهورهم و الا كان لابد لهم ان يكونو سوبر مبدعين حتى يطوعوا الارض لطرحهم و هناك من يفعل
ان الابداع و صنع الحضارة وطن
و الحرص على ان تظل هذه الحضارة تظلل ابناؤها بالعدل و المساواة و الحب هو هم وطني
و ربما يكون هذا الوطن لي
الوطن هو الحضارة
يوليو 19, 2006 عند 5:43 ص
الأخ العزيز كريم
أشكرك على زيارتك لمدونتى المتواضعه…تأكد يا عزيزى انى لم انسى موقعك هنا. قد تكون تعليقات الناس إياهم فى مقالتك عن احداث الجامعه “سدت نفسى” عن كتابة تعليقات و لكنى دوما أتفقد موقعك و لا زلت أكن كل الاحترام و التقدير لشخصك و لافكارك و لاسلوبك.
بما ان مستوى الحوار ارتفع كتير عن اياميها، إسمحلى أدوشك بآراءي من هنا و رايح (و جنت على نفسها براقش…ههههه).
سلام يا كريم
يوليو 19, 2006 عند 8:04 ص
انا متفقه معاك في ان الدين لا يمثل الهويه ف ايا كانت ديانة شخص ما فيجب ان تكون علاقه روحانيه بينه و بين ما يدين به فالدين شيء داخل الانسان نفسه و لا يجب ان يؤثر على حياته او يجعله فى موضع اتفاق او اختلاف مع الاخرين و لكن بالنسبه للوطنيه فأنا أظن انها تشكل هويه بالنسبه للانسان لان الوطن لك الحق ان تبدى مشاعرك نحوه جهرا و ليس فقط شىء داخل الانسان و لكى تحمى وطنك من بطش الاخرين و خاصة الحكام يجب ان تكون محبا لوطنك و شاعر بواجبك نحوه
يعنى ده رأيى و مش هزهق من الكومنتس طبعا و شكرا على الزياره بس ياريت متكنش اخر مره
يوليو 22, 2006 عند 8:56 ص
بس الأول يا فدوى يعني ايه الوطن قبل ما نكمل, يمكن تقصدي الهوية الجغرافية ؟ أعتقد ان كريم ابتدا كلامه من النص مش من بداية تفكيره و هو ما قد يسبب لك بعض الغموض لكن ارجعي إلى ما كتبه (أنا أعرف أنه تعمد الإختصار كي لا يطيل علينا) لكن فيما كتب الكفاية
الباشمهندز كريم
قطعت شوطا كبيرا في طريق سبق لي أن سلكته (بالمناسبة أنا سلكت طرق كتير) يمكن انت كان قصدك أهم تلاته أو الأكثر شيوعا سواء في ثقافتنا أو في معظم الثقافات
لكن أنا لسه ماوصلتش لحاجة, أنا بس عرفت ان معظم الطرق مسدودة أو … بلاش أحسن
لكن أرجوك لو لقيت طريق قوللي
أنا آخر حاجة وصلتلها من بتاع ست سنين, كانت نفسي, أو الكون
يوليو 22, 2006 عند 9:01 ص
you may be interresterd in those articles:
http://en.wikipedia.org/wiki/Anarchism
http://en.wikipedia.org/wiki/Anarcho-syndicalist
http://en.wikipedia.org/wiki/Libertarian_socialist
you propably know Noam Chomsky,”www.chomsky.info” he may be one of the most famous anarchist
يوليو 22, 2006 عند 9:35 ص
قرأت لتوي تدوينتك السابقة, كنت أنوي التعليق على الحدث, ثم وجدتني أردت انتقادك أنت, ثم أخيرا عدلت عن رأيي
و رجعت عن طلبي بأن تقول لي عن طريق اذا وجدت, لأنك ببساطة اخترت أغبى الطرق.
فعلا, كنت أغبى من الإختيار و لا أظنك تستطيع أن ترى ما حولك, لو كنت نهليست أو عدمي لما دافعت عن مبدأ أخلاقي, و أنا على أي حال لا أنظر للإغتصاب كخرق للخلق, فبعد خرق الإنسانية أو الفطرة لا معنى للخوض في الخلق.
لا أعرف ان كان كلامي هذا يجدي بالنسبة لك أم أنه لن يلقى صدى
لا داعي للكلام فقد اخترت أغبى الطرق, و ستعمل مثل كل ذوي الهويات على تعمية نفسك
امضي و اعمه كما شئت فأنت مخير مادمت حيا
أو ربما غير ذلك